أبو نصر الفارابي

140

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

عليه ؛ وكذلك المريض الذي يتألم متى تشاغل بأشياء ، إما أن يقل أذاه بألم المرض ، وإما أن لم يشعر بالأذى . فإذا انفرد دون الأشياء التي تشغله ، يشعر بالأذى أو عاد إليه الأذى ؛ كذلك الجزء الناطق ، ما دام متشاغلا بما تورده الحواسّ عليه ، لم يشعر بأذى ما يقترن به من الهيئات الرديئة ، حتى إذا انفرد انفرادا تاما دون الحواس شعر بالأذى ، وظهر له أذى هذه الهيئات ، فبقي الدهر كله في أذى عظيم . فان ألحق به من هو في مرتبته من أهل تلك المدينة ، ازداد أذى كل واحد منهم بصاحبه ؛ لأن المتلاحقين بلا نهاية تكون زيادات أذاهم في غابر الزمان بلا نهاية . فهذا هو الشقاء المضادّ للسعادة « 1 » . وأما أهل المدن الضالة ، فإن الذي أضلّهم وعدل بهم عن السعادة لأجل شيء من أغراض أهل الجاهلة وقد عرف السعادة ، فهو من أهل المدن الفاسقة ؛ فذلك هو وحده دون أهل المدينة شقي . فأما أهل المدينة أنفسهم فإنهم يهلكون وينحلون ، على مثال ما يصير إليه حال أهل الجاهلة « 2 » . وأما أهل المدن المبدّلة ، فان الذي بدّل عليهم الأمر وعدل بهم ، إن كان من أهل المدن الفاسقة شقي هو وحده ، فأما الآخرون فإنهم

--> ( 1 ) نفوس أهل المدن الفاسقة تبقى ولا تفنى ولكنها تعيش متألمة معذبة وهذا هو الشقاء . ( 2 ) مصير أهل المدن الضالة الهلاك والانحلال مثل أهل الجاهلة ، أما رئيسهم الذي أضلهم فمصيره الشقاء كأهل الفاسقة .